تعديل

‏إظهار الرسائل ذات التسميات In memory of a slut. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات In memory of a slut. إظهار كافة الرسائل

السبت، 28 مارس 2015

A Girl Walks Home Alone At Night "فتاة تسير وحيدة ليلا" في عباءة مصاص الدماء!


لا يتسطيع أحد تجاهل فيلم المخرجة والكاتبة الإيرانية/الأمريكية  آنا ليلي أميربور "فتاة تسير وحيدة ليلاً" أو A Girl Walks Home Alone At Night لأسباب كثيرة، ربما أهمها في نظري هو عبثها بالأدوار الذكورية في مقابل الأدوار النسائية على الشاشة، وهي لعبة ولو تعلمون عسيرة، تنبع من كونها إن لم تلعب بحرفية، تصبح أشبه بطبخة فاضت مقاديرها عن الحاجة فبدلاً من أن تثير في النفس الانبهار، تشعل تعليقات السخرية والازدراء.

في فيلمها الروائي الطويل الأول، تعمد أميربور إلى العبث بكل المقدسات الناعمة التي يقدسها الغرب قبل الشرق. فالرجل (أو الذكر) القوي الذي ينقذ الفتاة معدومة الحيلة البريئة، هو هنا فتى بريء يتم استغلاله والتلاعب به بل وحمايته على يد عدد من الشخصيات النسائية والرجولية. والفتاة التي دائماً ما تصورها السينما على أنها كتاب مفتوح، هي تابوت مغلق على سره الأعظم، في مقارنة بالفيلم ضعيف المستوى "الشفق" Twilight والذي تكون فيه البطلة الرئيسية بيللا فتاة عادية تهتم بمعرفة سر الفتى الوسيم الغامض، إدوارد، والذي تكتشف في النهاية أنه مصاص دماء، هي في A Girl Walks Alone At Night طيف بلا اسم، بلا حوار إلا فيما ندر، وبلا هوية، وحتى ثلاث أرباع الفيلم يظل البطل لا يعرف لها حقيقة ولا يسبر أغوار غموضها المستعصي. أما الفتى، فقد أجادت أميربور عرض حياته بمنتهى الشفافية والعذوبة؛ مهنته، رغباته، عائلته وأصله، وضعه الاجتماعي، مخاوفه وتفاصيل حياته اليومية مع والده المدمن والقط الجميل الذي التقطه مصادفة.

"لا تتركيني وحيداً هنا."

على العكس من ترتيب المهام الذكورية والنسائية في عموم الأعمال الفنية، والأدوار المجتمعية التي فرضت عليهم وعليهن، بدا هنا آراش -الشاب الوسيم الذي اقتفت مصاصة الدماء أثره فضولاً لا جوعاً- محتاجاً لفتاتنا الوحيدة، يلتمس الصحبة في جوارها، وفي مشهد بديع للفتاة وقد أعطت ظهرها لآراش، يبدو تنافر عنقها السافر وعنقه المختفي وراء عباءة دراكولا الزائفة، أشبه بتورية لحقيقة كل منهما، فعنق الفتاة العاري ما هو إلا ستار لحقيقتها التي تظهر/تختفي وراء حجابها الأسود، وعباءة دراكولا ما هي إلا قماش من الزيف، أو غلاف لكتاب حياة آراش المفتوح أمام المشاهدين. 

ينبغي ذكر أيضاً رمزية الحجاب في الفيلم، فأميربور تستخدمه بذكاء تحسد عليه كغطاء وكشف في ذات الآن. هذا الحجاب الأسود الطويل ما هو إلا عباءة مصاص دماء، وهي إشارة إلى كون الحجاب رمزاً قمعياً في المجتمعات المغلقة، يستخدم لفرض إطار ما على جسد المرأة، محاولة منه لتصويرها كياناً مرعباً لا ينبغي الاقتراب منه. ولم تنس أميربور أن تحوله لأداة اختفاء، تتلفع به الفتاة فتختفي حقيقتها عن الأعين، وتصير عصية على الفهم والتواصل، فارضة حاجزاً أسود بينها وبين من يقابلها، وهو ما تريده المجتمعات الدينية من المرأة بالضبط: الاختفاء مع التواجد في آن واحد؛ كوني رمزاً مخيفاً ومثيراً، لكن لا تكوني هنا. كوني طيفاً لما ينبغي أن تكونيه.

في إشارات فيمينست صريحة، تلعب أميربور على فكرة الفريسة/الصياد الشهيرة بتغيير الأدوار. ففتاة وحيدة تسير ليلاً، هي فريسة سهلة للذئاب. ذات الرداء الأحمر، ودستة من أفلام ال slasher ترسخ في أذهاننا مدى الأخطار التي قد تواجهها فتاة وحيدة في أي مكان؛ موقف السيارات، الشوارع الخالية، المصعد، حتى شقتها. هناك دوماً ذئب ينتظر. في A Girl Walks Home Alone At Night يسخر العنوان من هذه الفكرة ويجعل من الفريسة صياداً بمعنى الكلمة، خاصة في انتقاء الضحايا، وأحيانا -بصورة دموية إلى حد ما- في طريقة افتراسهم، والتي تعزز فكرة المرأة ك "آخر" مخيف، وليس مجرد "آخر" 

أطلق المدير الإبداعي لشركة VICE، وهي الشركة المنتجة للفيلم، على آنا ليلي أميربور لقب "كوينتن تارانتينو القادم". ولم تنف أميربور مدى تعلقها وتأثرها بأفلام تارانتينو، ما بدا واضحاً، حتى في اختيار الموسيقى والتأثر بأفلام الويسترن الإيطالي "السباجيتي" وتلاعبها بالنوع genre فتجد فيلمها والذي تصفه بأنه أول فيلم "إيراني ويسترن رومانسي" ليس بفيلم الرعب التقليدي، ولا فيلم الويسترن سباجيتي "الغرب الأمريكي" المعتاد، ولا هو يحمل قصة رومانسية أصيلة تدور حولها بقية الأحداث. كما بدا واضحاً مدى تأثير السينما الأمريكية على أميربور، حتى عن طريق الشخصيات، ومحاولتهم لكسر حاجز الوحدة بالتأمرك؛ آراش بملابس وتصفيفة شعر جيمس دين، الأغاني التي تستمع إليها الفتاة وآراش، مما دفع البعض إلى اتهام أميربور بأنها لا تعبر عن "إيران الحقيقية" في محاولة لطمس ما تعبر عنه المخرجة من تصوير لامرأة إيرانية في مدينة غرائبية تركب سكوتر وتتغذى على دماء الأشقياء، وعابري السبيل.

أضعف ما في الفيلم نهايته، والتي رأى كثير من النقاد أنها جاءت مبتورة ومتسرعة. في رأيي الشخصي، أنها رغم كونها من أضعف عناصر الفيلم، إلا أنها أيضاً انتصرت للمرأة، ورغم رغبتي في الكتابة عنها، إلا أنني أود فقط أن ألمح إلى كونها تختلف عن أفلام مثل "نادي الإفطار" أو The Breakfast Club لجون هيوز، مخرج الثمانينات الشهير، حيث الفتاة الغامضة ال freak تزين وجهها وترتدي فستاناً وردياً ليلتفت إليها الفتى الذي تحبه بعد أن تخلع ردائها الأسود وتزيل كحل عينيها الداكن.

A Girl Walks Home Alone At Night فيلم ثوري في تناوله لأدوار المرأة والرجل، وتشابك العلاقة الجنسية-القيادية بينهما، كما أنه يعبث بالثوابت الدينية والاجتماعية بذكاء شديد قد يصل للهمس في بعض الأحيان. ورغم تأكيد المخرجة على أنها صنعته وليس في ذهنها أي مردود سياسي أو ديني، إلا أنها أكدت على كونها تعرف من هي، وما هو فيلمها، لكنها لا تعرف الآخرين، ولا كيف سيتلقونه.

الأربعاء، 25 مارس 2015

Obvious Child فيلم بسيط عن امرأة حقيقية

تشكو معظم الناقدات الفيمينست من القراءة السينمائية للمرأة بوجه عام، وتخص كل ناقدة المرأة التي تنتمي لمجتمعها بشكل خاص، وفي حالة الزخم السينمائي التي يقابلها كل منا من عام لآخر، يبحث كل ناقد عن ضالته، وشغله الشاغل.

عند مشاهدة فيلم Obvious Child للمخرجة والكاتبة جيليان روبيسبيير Gillian Robespierre، تتملك الواحدة منا الدهشة من مدى "حقيقية" هاته النساء التي يستعرضهن الفيلم. فدونا ستيرن، امرأة في العشرينات، مؤدية للستاند آب كوميدي، وفي نفس الوقت، هي ابنة وصديقة وحبيبة وامرأة مستقلة بذاتها دون ابتذال لأي من هذه المعاني. 

بعد ليلة عابرة قضتها ستيرن مع غريب لطيف -كما وصفته في واحدة من اسكتشاتها الكوميدية- تكتشف أنها حامل بالصدفة، وتلجأ لعملية إجهاض دون ميلودراما رخيصة ولا حتى محاولة تغيير رأيها في النهاية نظراً لعاطفتها تجاه الطفل الذي لم تنجبه، يمر الأمر مثل عملية جراحية عابرة، لا يلقى بالاً لخصوصية عملية الإجهاض ولا يتم التعامل مع الأمر بطريقة تبرر عقدة الذنب التي قد تتكون لدى المرأة تجاه أمر كهذا. ومع كون هذا التناول لموضوع شائك عالمياً كالإجهاض يعد ثورة حقيقية في عالم السينما، إلا أن الثورة الحقيقية في رأيي كان رسم شخصية دونا ستيرن.

شخصية دونا ستيرن، تلك الفتاة التي تقدم اسكتشات ستاند آب كوميدي مساء ثم تعمل في محل للكتب المستعملة صباحاً هي شخصية عادية تماماً، ربما باستثناء روح دعابتها الذكية ومرحها الذي يشع من كل حركاتها ومن حواراتها مع الآخرين. في سخرية ستيرن من نفسها ومن الدين ومن حبيبها ومن أشياء نسائية شديدة الخصوصية كحمالات الصدر والملابس الداخلية وتطرقها لمواضيع شديدة الانسانية بات محرماً على المرأة أن تتحدث فيها كالتبرز والجنس والاستمناء، كسرت ستيرن -ومن وراءها ببراعة جيليان روبيسبيير- قالب المرأة المصنوعة الذي يفرضه علينا صناع الفن في كل مكان.

أثناء مشاهدتي لحلقة من حلقات مسلسل "الجنس في المدينة" Sex and the City، يحدث موقف محرجاً للبطلة الرئيسية كاري -وتقوم بدورها سارة جيسيكا باركر Sarah Jessica Parker- فتطلق ريحاً أثناء وجودها في فراش حبيبها، وعند مناقشتها للأمر مع صديقتها المنفتحة جنسياً، الشبقة سامنثا -كيم كاترال Kim Cattrall- تخبرها الأخيرة بأن "أنت امرأة، والرجال لا يريدون للمرأة أن تكون انساناً، لا يجب أن نطلق ريحاً أمامهم، أو نستخدم فوطاً صحية أو نترك الشعر على أجسادنا في الأماكن الغير محببة لذلك أو نستخدم دشاً مهبلياً، في مرة من المرات، تركني صديقي لأنني لم أزيل الشعر من منطقة البكيني في الميعاد المحدد لذلك."

لو كان Obvious Child فيلماً أمريكياً تجارياً، كوميديا تجارية مبتذلة أو رومانسية كوميدية من التي تؤدي فيها نجمة خارقة الجمال دور فتاة ممتلئة ولديها مخاوف داخلية من أن يتركها الرجل في الآخر ليحظى بفتاة تؤديها ممثلة أقل جمالاً، لفقد Obvious Child عمقه وسحره النابعين من طبيعيته وحقيقيته.

تناول Obvious Child لموضوع شائك عالمياً وهو الإجهاض، هو أيضاً تناول متمرد لموضوع المرأة في العموم، ذلك الكيان الذي يضعه الفنانون قبل العامة في مكانة عالية، ويتوقع منه أن يظل فيها. فإذا تهاوى ذلك الكيان من علٍ، انتقل الجميع إلى كيان آخر، أكثر صبا وجمالاً ولا معقولية.



دونا ستيرن، بدعاباتها الفجة وسرعة بديهتها وملامحها العادية، وخفة ظلها، وتعاملها الطبيعي الانساني مع فكرة "الإجهاض"، هو في حد ذاته انتصار لفكرة المرأة المجردة من كل التوقعات المجتمعية والانسانية التي يفرضها عليها وضعها البيولوجي المختلف. فبكسر الفكرة الرومانسية الساذجة من حب المرأة للنطفة التي تكونت في رحمها قبل حتى أن تشعر بوجودها المادي، ناهيك عن كون جسد المرأة ملكاً لها تفعل به ما شاءت أم ملكاً للعامة ورجال الدين الذين يقررون عليها ما تفعل وكيف تتعامل معه، وفي النهاية يحاسبونها على نتاج هذا الجسد من أبناء أو حتى من محاولات للتجميل أو عدم الاستسلام لأفكار تنميط الجمال.

أيضاً كسر Obvious Child فكرة الإجهاض لسبب ما، مشاكل صحية أو نفسية أو كون الأب وغداً، كل ما أراده Obvious Child هو أن يعطي المرأة الحرية الكاملة في التعامل مع جسدها، ومع فكرة الإنجاب، والحمل وغيرها، من تلك الأمور التي يفرض المجتمع عليها وصاية ما بكيفية التعامل معها ويضع لها "طريق مستقيم" يعد كاتالوجاً للتعامل مع مثل هذه الأشياء.

يعد أيضاً في صالح الفيلم -وينبغي الإشارة إلى أنه تم تصويره في 18 يوم فقط-  تناوله الصحي لعلاقات النساء ببعضهن البعض، فستيرن وجدت الدعم في أقوى صوره من أمها، ومن صديقتها المقربة نيللي، مما عزز أهمية العلاقات النسائية وأخرجها من قالب التنافسية -غالباً- فوق قلب رجل واحد.



هنا ينبغي ذكر أهمية السيناريو والحوار في هذا الفيلم، والذي قامت روبيسبيير بكتابته بنفسه -والفيلم أصلاً مأخوذ من فيلم قصير لها بنفس العنوان، شاركتها في كتابته آنا بين Anna Bean وكارين ماين Karen Maine- وأمسكت بزمامه جيداً، فبدت الشخصيات حقيقية، يمكن لأي امرأة تشعر "باختلافها" عن الفكر السائد والتوقعات المرئية التي يتنظرها المجتمع منها أن تتعاطف وتتفاعل معها. ناهيك عن الدعابات الذكية والتي أتت في محلها، و"الصوت" المختلف لكل شخصية من الشخصيات، وبوجه خاص النساء، فلا الأم تشبه الابنة ولا الصديقة، حتى الشخصيات الرجالية لا تتشابه فيما بينها، وقد تم كسر قوالبها عن طريق إظهار الشخصية المثالية للرجل اللطيف بطريقة أبعد ما تكون عن الابتذال سواء في رسم الشخصية الخارجي أو الانفعالات الداخلية.

ينبغي الإشادة أولاً بأداء جيني سلات Jenny Slate الحقيقي والرائع لدور دونا ستيرن، والذي تفوقت به على الكثير من نجمات الصف الأول المزعومات. 

في النهاية Obvious Child فيلم مهم وممتع في آن واحد، مما يجعله تحفة فنية لهذين السببين بالذات، ورغم خصوصيته في مناقشة قضية تبدو نسائية، إلا أنه بتناوله السلس وحواره الذكي جعل منها قضية انسانية في المقام الأول. 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More