تعديل

الثلاثاء، 24 مارس 2015

قراءة نقدية معاصرة لفيلم الحرام



“جدر البطاطا هو السبب”

من أول جملة تنطق بها بطلة فيلم الحرام، عزيزة والتي تؤدي دورها ببراعة سيدة الشاشة فاتن حمامة، نرى أمامنا نموذج المرأة المصرية المقهورة التي تلقي بأسباب تعاستها ومأساتها على أي شيء، سوى الرجل. فالرجل في حياة عزيزة متغيب، منذ أن أصيب زوجها بالبلهارسيا، وهو شبح لما كان عليه أن يكون، غائب جسدياً واجتماعياً ونفسياً، فلا استحق وضع القوامة الذي يقولبه عليه المجتمع المصري منذ نعومة أظفاره، ولا حتى ملأ الفراغ الذي أحدثه في جسد زوجته، فباكتفائه بالارتكان للحائط والاعتماد الكلي على عزيزة في إدارة شئون المنزل الاقتصادية والاجتماعية، استحق لقب الحاضر الغائب، وترك الفرصة لعزيزة لتصبح هي مصدر القوة في المنزل وربما خارجه.

لكن هذا لم يحدث.

فببساطة، عزيزة لم تكن مقهورة في منزلها، بقدر ما هي مقهورة لكونها امرأة فقيرة جميلة في عالم لا يعرف التعامل مع المرأة سوى بالحجر أو بالاغتصاب. وهذا هو ماحدث في فيلم “الحرام” لهنري بركات شيخ المخرجين، إنتاج عام 1965 والذي كتب السيناريو له المؤلف سعد الدين وهبة مأخوذاً عن رواية بنفس الاسم للكاتب الكبير يوسف إدريس.

في معظم القراءات لفيلم “الحرام”، يتحدث الجميع عن سقوط عزيزة، وعن خطأ عزيزة. حتى في القراءات النقدية للرواية، ومشهد الاغتصاب الملتبس الشهير، يتحدث الكل عن سقوط عزيزة كونها لم تقاوم مغتصبها ما يكفي، كونها لم تصرخ، كونها وقفت لوهلة تشاهده وهو يرفع الفأس ويهوي به على الأرض، ليحفر مستخرجاً ثمار البطاطا لها، وعما قد يكون دار بخلدها من حنين لهذا الجسد الشاب الفائر بالرجولة، في الرواية، الراوي يصف لنا مادار بخلد عزيزة في براعة، أما في الفيلم فكان عبء هذه اللحظة (ربما نقول اللمحة) على كتفي فاتن حمامة، تعبر بوجهها وهي تشاهد محمد ابن قمرين يهوي بفأسه على الأرض فكأنما تتخيله يهوي عليها بقوته ورجولته. هذه اللحظة رغم غناها درامياً إلا أنها لا تبرر وصف عزيزة بالخطيئة. والتباس مشهد الاغتصاب لا ينفي كونها لم تكن راضية عن ممارسة الجنس مع الرجل الذي استغل ضعفها ورعبها واحتياجها ليعتدى عليها بين الحقول.

قسوة الأرض على عزيزة، أشبه بقسوة الراوي العليم والذي أراه أضعف ما في الفيلم، لأنه يصبغ عليه نكهة وعظية غير محببة للنفس. فنرى مقدمة الفيلم بصوت الراوي –حسين رياض- “الحرام: قصة خاطئة مصرية”. حكم الراوي كما حكم الكثير ممن شاهدوا الفيلم لا ينفي أن الجريمة الكبرى ليست في قتل عزيزة لابنها الوليد، ابن الزنا بمنظورها، ولا في جريمتها التي يصفها البعض بالسقوط الأخلاقي، ويصفها الآخرون بالاغتصاب، إنما في عزيزة نفسها. تجريم عزيزة لنفسها، مناجاتها مع الرب عند اكتشافها حملها من سقطتها في الحقل، وقولها، “أنا غلطانة، لكن أعمل إيه الشيطان كتفني؟” أكبر دليل على أن الحرام ليس في الجنس ولا في القتل بقدر ما هو في تجريم الانسان لنفسه وشعوره بالذنب من أخطاء لم يرتكبها.


شعور عزيزة بالدنس، بدأ  بمشيتها المنكسرة منذ الحادث، مروراً بطرحتها التي أصبحت متهدلة على جبينها، وشعرها الطويل الذي اختفى وراء الحجب، واختفاء أنوثتهاا القروية التي تمزج بين السذاجة والشقاوة، والبهجة التي ماتت من على وجهها، حتى وصلت لخوفها من افتضاح أمر ولادتها، وقتلها لابنها عن غير وعي، وكأنها بهذا تختم رحلتها المذنبة المعذبة بجريمة لم تصح منها ولم تشف.

عزيزة ما هي إلا انعكاس لمجتمع يتأرجح ما بين الحرام والحلال، الفقر فيه غول متوحش، ينهش أبناءه بأسنانه ويتركهم فتات. في مجتمع عزيزة، تلك القرية المنسية في خضم محافظات مصر الأكثر ثراء وتمدناً، يقهر الفقير الأشد فقراً منه، لا لشيء سوى لأنه يستطيع، فعمال التراحيل “الغرابوة” يعاملون أسوأ معاملة من أهل القرية الفقراء وإن كانوا يتميزون عنهم بامتلاك البيوت الفقيرة مثلهم. ومحمد ابن قمرين لم يغتصب عزيزة سوى لأنها كانت هناك، وربما رأى في تعثرها وسقوطها على ظهرها رسالة سماوية بتجاوبها معه، وربما رأى في انصياعها له أمراً بالتمادي. في لقطة عابرة، يسأل محمد ابن قمرين عزيزة وهي تعمل في الحقل “عم عبد الله مش عايز بطاطا؟” في إشارة للقائهما السابق، ويرحل ضاحكاً بينما تشاهده عزيزة ووجهها لوح ثلج، حتى القهر لا يرتسم على ملامحها، هي في حالة أضعف من أن تعبر عما يعتمل بداخلها.

الحرام فيلم مميز بكل المقاييس، ليس لقصته ولا لمعالجته لفكرة الخطيئة، خاصة وإنه مع انتصار مخرجه “هنري بركات” للمرأة بصفة عامة في أفلامه، إلا أنه يقسو عليها بتمثيله لقسوتها على نفسها، وإلصاقها شبهة الخطيئة بها في جميع الأحوال. قوة “الحرام” تكمن في التباس الخطيئة، فلا يستطيع أحد أن يجزم إذا ما كانت عزيزة قد قتلت ابنها محملة بالإثم أم بالرعب، ولا يستطيع أحد أن يشاهد اغتصابها على يد محمد ابن قمرين بنفس مرتاحة لرد فعلها أو لمغزى كتمانها ما تعرضت له من حادث أليم.

فيلم الحرام استحق أن يوصف بأنه من أفضل ما قدمت السينما المصرية على مدار تاريخها، ليس فقط لتفرده وتميزه بالحديث عن عالم شبه مجهول لكثير من مشاهدي السينما، ولكن في تمثيله للخطيئة والتباسها على الضحية. موضوع لوم ضحية الاغتصاب لنفسها هو الآن من مواضيع الساعة في العالم، ومنظمات حقوق المرأة تنادي بمناقشته والتصدي له، كما أن موضوع الإجهاض أيضاً وإثارته للجدل دينياً واجتماعياً بصفة عامة، وإجهاض ابن الزنا بصفة خاصة هي مواضيع شائكة حتى وقتنا هذا، فما بالنا بالستينات؟ هنري بركات، مخرج شجاع، لم يخف يوماً تحيزه للمرأة، وفاتن حمامة في رحلتها الفنية، أخذت طريقاً نسوياً مهموماً بحقوق بني جنسها في أكثر من فيلم، ربما يعد أكثرهم إلهاماً لفتيات اليوم المتمردات “الباب المفتوح” وهو –للصدفة- من إخراج شيخ المخرجين.

إذا حذفنا الرواي في بداية ونهاية الفيلم، ربما أصبح لدينا فيلماً تجريدياً رائعاً، يكاد يبدع في تمثيله لفكرة الخطيئة وقهر المرأة جنسياً واجتماعياً. مع هذا، يظل الحرام فيلماً اجتماعياً نسوياً، يأخذ من جسد المرأة عصب في ضرس المجتمع الملوث، ويضغط، ويضغط حتى ينفجر الألم في أرواحنا جميعاً.

ذهب مع الريح واتهامات بالعنصرية



مما لا شك فيه أن مارجريت ميتشل وهي تكتب روايتها الدسمة “ذهب مع الريح” لم تكن لتتخيل أنها ستصنع عملاً خالداً في الحياة الأدبية والسينمائية. ثلاث سنوات هي المدة التي استغرقتها في كتابة ملحمتها الضخمة عن الحرب الأهلية الأمريكية وقصة الحب الملتهبة التصاعدية بين واحد من أشهر ثنائيات السينما العالمية سكارليت أوهارا وريت بتلر، وخلال شهر واحد من نشرها، كان المنتج دافيد سيلزنيك قد اشترى حق تحويلها إلى فيلم سينمائي ودفع لميتشل 50,000 دولارا مقابل ذلك.

لم يكن تصوير فيلم مثل ذهب مع الريح سهلاً، اختيار الممثلين في حد ذاته كان كابوسياً بكل المقاييس. تشبث دافيد سيلزنيك بالنجم وقتها كلارك جيبل، فاتن النساء ومعشوق المشاهدين في كل مكان، للعب دور البطولة أدى إلى تأخر تصوير الفيلم لمدة عامين كاملين، نظرا لالتزام جيبل بعقد مع شركة مترو جولدن ماير MGM الإنتاجية. أما عن اختيار الممثلة التي ستلعب دور سكارليت أوهارا فحدث ولا حرج. أسماء لامعة لنجمات شهيرات تم الزج بها أعلى قوائم الكاستينج casting ليظفرن بالدور. بيتي دافيز، كاثرين هيبورن، لوسيل بال، وغيرهن كثيرات تم اقتراحهن لأداء الدور الأسطوري والذي بنيت الرواية –ومن بعدها الفيلم- على كتفيه. ممثلات مغمورات صعد مشوارهن السينمائي للسماء بعد تقدمهن لاختبارات أداء دور سكارليت مثل سوزان هيوارد ولانا ترنر. الصدفة وحدها هي التي دفعت الممثلة البريطانية فيفيان لي، والتي لم تكن معروفة في هوليوود وقتها، على أن تطلب من وكيل أعمالها أن يزج باسمها في قوائم الترشيح، خاصة وأنها وجدت الكثير من الممثلين البريطانيين يتقدمون لاختبارات أداء دور ريت بتلر. في البداية لم يكن سيلزنيك مقتنعاً بقدرة لي على أداء دور أمريكية جنوبية قحة، خاصة وأنه عندما شاهد أحدث أفلامها “أمريكي في أكسفورد” A Yank at Oxford (1938) وجدها “إنجليزية زيادة عن اللزوم”. لكنه عندما قابلها مع عشيقها وقتها العظيم سير لورانس أوليفييه، انبهر بها وكتب لزوجته أنه وجد “الحصان الأسود لدور سكارليت أوهارا”.

لا داعي للقول بأن اختيار فيفيان لي لأداء الدور بدلاً من مئات الفنانات الأمريكيات أدى إلى غضب شعبي عام، خاصة وأن سكارليت أوهارا تعتبر أيقونة أمريكية، واختيار ممثلة بريطانية لأداء دورها ماهو إلا إهانة للقومية الأمريكية. لكن لي رغم جموحها وكونها من الممثلات التي يصعب التعامل معهن، إلا أن طاقتها التمثيلية الجبارة وإتقانها للكنة الجنوبية الأمريكية، جعلا منها أسطورة سينمائية وصلت بها وهي في عامها السادس والعشرين إلى الفوز بأوسكار أفضل ممثلة عن أدائها لسكارليت أوهارا، وهي أول ممثلة بريطانية تفوز بهذه الجائزة، وخلد دورها في قلوب الناس. تصدرت فيفيان لي كممثلة وكمؤدية لدور سكارليت العديد من قوائم مجلات السينما، فاختارت مجلة بريميير Premiere Magazine سكارليت أوهارا في المرتبة الثالثة في “أفضل 100 شخصية في تاريخ السينما العالمية” واختارتها جمعية الفيلم الأمريكي في المرتبة 16 من “50 أسطورة سينمائية”.

لم تكتفي جمعية الفيلم الأمريكي بتخليد فيفيان لي كممثلة في قوائمها، لكن “ذهب مع الريح” حاز نصيب الأسد في الاستفتاءات التي أجرتها الجمعية بمناسبة مرور 100 عام على انشائها، ففي قائمة “أفضل 100 فيلم أمريكي” جاء في المرتبة الرابعة، وفي مرتبة “أفضل 100 قصة غرام” احتلت غراميات ريت بتلر وسكارليت أوهارا المرتبة الثانية، وفي قائمة “أفضل 100 جملة حوارية سينمائية” جاءت جملة ريت لسكارليت في نهاية الفيلم ” بصراحة عزيزتي انا لا أبالي أبداً” في المرتبة الأولى، خاصة وأنها بالإنجليزية “Frankly my dear, I don’t give a damn” كانت أول جملة سينمائية تحتوي على لفظة damn العامية وتمررها الرقابة على المصنفات الفنية وقتها.


بدا أن “ذهب مع الريح” يتمرد على الكثير من المحظورات وقتها، وكان التمرد الأكبر في حصول النجمة هاتي ماكدانييل على أوسكار أفضل ممثلة مساعدة عن أدائها لدور مامي، مربية سكارليت المخلصة، الصريحة لدرجة لاذعة، والتي في مثابة الأم الثانية بالنسبة للفتاة الأمريكية المتمردة. رغم النقد الذي وجه ل “ذهب مع الريح” بصفة عامة بعدها، عن تزويره لحقيقة العبودية في أمريكا، وتصويره الخاطئ للحرب بين الجنوب والشمال حول حقوق العبيد، إلا أن ماكدانييل كانت أول ممثلة أفريقية أمريكية تترشح لأوسكار أفضل ممثلة مساعدة وتفوز بها، مما ساعدها فيما بعد على تطور مشوارها السينمائي وضمن لها دخلاً مرتفعاً ومستوى معيشي أفضل مما كانت عليه. وجهت انتقادات كثيرة لماكدانييل على أدائها المتكرر لدور الخادمة في الأفلام، إلا أنها –وربما بتقمص للسان مامي اللاذع- صرحت بأن الأفضل لها أن تمثل دور الخادمة مقابل 7,000 دولار أسبوعياً بدلاً من أن تكون خادمة في الحقيقة وتكسب 7دولارات في الأسبوع. بل إن ماكدانييل تشاجرت علناً مع ناشط من المدافعين عن حقوق الملونين والأقليات متهمة إياه بأنه ليس “أسوداً أصيلاً، ولا يحق له الحديث على لسان جميع الأفارقة الأمريكيين” عندما اتهمها بأنها “أنكل توم” –عبارة تستخدم لوصف الأفارقة الأمريكيين الذين يتذللون للبيض، ولا يدافعون عن حقوقهم المشروعة في مواجهة السلطة الأمريكية البيضاء- لرضاءها بالفوز بجائزة الأوسكار، رغم المعاملة السيئة التي تلقتها في حفل توزيع الجوائز حيث أجلسها القائمين على الحفل بعيداً عن بقية أبطال الفيلم لي وجيبل، كما لم يسمح لها بحضور العرض الخاص للفيلم في أتلانتا، هي وبقية الممثلين الأفارقة الأمريكيين، نظراً لقانون ولايات الجنوب والذي أوجب الفصل بين السود والبيض في الأماكن العامة.

أصبح “ذهب مع الريح” حصان هوليوود الرابح في الجوائز وأيضاً في شباك التذاكر. طبقاً لحسابات موسوعة جينيس العالمية عام 2011 فإن الفيلم حقق ما يقارب ال 3.3 بليون دولار عالمياً منذ تاريخ عرضه، مما يضعه على صدارة أكثر الأفلام تحقيقاً للإيرادات في تاريخ السينما العالمية. يعتبر “ذهب مع الريح” أيضاً من الأفلام الحائزة على عدد ضخم من ترشيحات وجوائز الأوسكار، أهمها جائزة أفضل مخرج وأفضل فيلم وأفضل ممثلة وأفضل ممثلة مساعدة وأفضل سيناريو من مجمل عشر جوائز، و 13 ترشيح.
رغم الحفاوة النقدية التي قوبل بها “ذهب مع الريح” وقتها، إلا أن إعادة قراءة الفيلم لم تكن في صالحه غالباً. فقد أبدى الناقد والمؤرخ أرثر شلسينجر اندهاشه من أن “ذهب مع الريح” من الأفلام التي لا تعلق في ذاكرة الجمهور، رغم أن ذاكرة السينما عامة قوية، وهي التي تخلد الأعمال الناجحة مهما طال الزمان. كما أيد هذا الكلام الناقد والصحفي ريتشارد شيكل والذي قاس معيار جودة الفيلم بمدى ما يتذكره الانسان منه، وفي حالة “ذهب مع الريح” فالصورة رديئة والحوار عادي، وأرجع هذا إلى أن الفيلم مصنوع بعين منتج وليس فنان، كل همه كان الأمانة للنص الأصلي المكتوب في دقة “لم تحظ بها أعمال شكسبير ولا تشارلز ديكنز بعظمتها” كما كتب فرانك نيوجنت في النيويورك تايمز، عام 1939.

من أكثر الانتقادات التي واجهها “ذهب مع الريح” فيما بعد كانت اتهامه بالعنصرية وتصوير الأفارقة الأمريكيين في صورة نمطية تعزز كونهم ليسوا أكثر من مجرد تابعين أو خدم للبيض، فكتب الناقد دافيد رينولدز، “بينما النساء البيض جميلات ومتأنقات، والرجال ساحرين ومتحضرين، يبدو السود في الخلفية مجرد عبيد قانعين بكونهم مواطنين درجة ثانية، وراضين بالتبعية لأسيادهم البيض.”

على الرغم من هذا، كانت هناك اتجاهات نقدية مضادة لهذه الآراء، فدافع الناقد توماس كريبس عن صانعي “ذهب مع الريح” لكونهم غيروا الكثير من النقاط العنصرية في الرواية وحذفوها في النسخة النهائية من الفيلم، مثل انتماء آشلي وريت بتلر وزوج سكارليت الثري فرانك كنيدي إلى جماعة الكو كلو العنصرية والتي كانت تروع وتعذب السود إبان الحرب الأهلية، كما تروع البيض المساندين لهم، في عمليات تطهير عرقية منظمة. تم حذف أي مقطع يمجد في الكو كلو كلان Ku Klux Klan  ويظهرها أعضاءها بمظهر حاميي حمى أمريكا الشرفاء، كما تم حذف كلمة nigger المهينة من سيناريو الفيلم، رغم حشو مارجريت ميتشل الرواية بها عند وصف شخصيات العبيد. وقد عانى دافيد سليزنيك في هذا، لمحاولته التوفيق بين عدم تغيير النص الأصلي للرواية لئلا يغضب محبيها، مع حذف المقاطع العنصرية التي يرفضها لكونه يهودي ليبرالي مناهض للعنصرية.

واجه “ذهب مع الريح” انتقادات أيضاً بسبب مشهد إيحائي لاغتصاب ريت بتلر لزوجته سكارليت أوهارا، وإظهارها في اليوم التالي سعيدة ومنتشية لاستخدامه القوة في ممارسة الجنس معها، مما يعزز فكرة قبول المرأة للعنف الجنسي بصفة عامة. وقد أبدت الناقدة النسوية مولي هاسكل استنكارها لهذا المشهد، لا سيما أنه يثبت في أذهان النساء أن اغتصاب الرجل لزوجته ما هو إلا نوع من الرومانسية الممتزجة بالعنف، والتي ربما تحدث لفشل المرأة في التعبير عن رغبتها الجنسية بصورة واضحة، مما يؤثر على حق المرأة في حياة جنسية سليمة، واتخاذ قرارتها الجنسية بحسم سواء بالرفض أو بالقبول.

“ذهب مع الريح” سيظل رغم كل ما أثير حوله من لغط وجدل من أكثر الأفلام جمالاً وحضوراً في ذاكرة المشاهدين، وتكفي قبلة من ريت لسكارليت، أو فستان سكارليت الأسطوري المصنوع من قماش الستارة، أو جملة لاذعة لمامي منتقدة علاقة سكارليت وريت الشبيهة بلعبة قط وفأر، ليعلم الجميع أن السينما المخلصة والغارقة في التفاصيل الملتهبة لا تموت، بكل عيوبها وفضائلها.

الاثنين، 23 مارس 2015

المرأة في سينما هيتشكوك.. إثارة وسحر


هيتشكوك العظيم، ملك الإثارة والتشويق، وصاحب التكنيك العبقري في الإخراج، ماهو إلا مجرد مخرج مهووس بالمرأة، لا ككيان آخر غامض وغريب، بل كدمية جميلة يتم استخدامها، وإدارتها، والعبث بها، و-غالباً- قتلها في النهاية في أفلامه التي لم تكن أبداً رحيمة أو رفيقة بالمرأة. فالنساء هن غالباً لصات، أو عاهرات، أو قاتلات، أو زوجات ساذجات وفي جميع الأحيان، هن شقراوات جميلات ولكن فارغات العقل.

من بين 47 فنانة عمل معهن ألفريد هيتشكوك، كانت أشهرهن: جوان فونتين، إنجريد بيرجمان، جريس كيللي، كيم نوفاك، جانيت لي وتيبي هيردن، حيث تمحورت معظم أدوارهن في شخصيات هامشية مقابل الاهتمام بالأدوار الذكورية. ما بين جانيت لي، اللصة التي يقتلها قاتل مصاب بعقدة أوديب في Psycho وجريس كيللي، فتاة المجتمع الأنيقة والتي تساعد حبيبها في كشف جريمة قتل يعتقد أنه رآها من خلال نافذته في Rear Window ، وكيم نوفاك، الجميلة التي تخفي أسراراً وراء جاذبيتها والتي تصبح هدفاً لهوس المحقق المصاب بعقدة الأكروفوبيا في Vertigo.

وغالباً كانت حياة البطلات تنتهي في أفلام هيتشكوك إما بالقتل أو بالعقاب، فكل خطوط المرأة الدرامية في أفلامة تضعها في خانة الخاطئة المذنبة، والرجل -حتى القاتل المعقد المتعطش للدماء- ما هو إلا ضحية لإمرأة شريرة، متسلطة أو مخادعة.
وتبدو عقدة المرأة والجنس متأصلة لدى هيتشكوك منذ اعترف بميله لاختيار الشقراوات ليكن بطلات أفلامه، فهن، حسب أقواله، “في جمال الثلج النقي حينما تظهر عليه آثار أقدام دموية”.

وفي حواراته مع فرانسوا تروفو، المخرج والناقد السينمائي الأشهر عام 1967، أعلن هيتشكوك عن رأيه الصريح بتفضيله الشقراوات الراقيات اللاتي لا يظهرن إغرائهن إلا متأخراً وبأسلوب يحمل لغزا. وقد مثلت مارلين مونرو بالنسبة له “الجمال السوقي المعروض بفجاجة” ليؤكد بذلك قناعته بأن الإغراء غير المباشر يمثل إثارة للمشاهد تعادل أكثر مشاهد أفلامه تشويقاً، فالرجال دوماً، “وراء المرأة الراقية الهادئة التي تنقلب عاهرة في الفراش”.

ولم يكن عشوائيا اختيار هيتشكوك للشقراوات الجميلات وتعذيبهن على الشاشة. فثمة ممثلات كثيرات تكلمن عن وحشيته في التعامل معهن وراء الكاميرا، وهو ما وصفته الممثلة فيرا مايلز بهوس هيتشكوك ببطلاته ومحاولته قولبتهن في إطار خاص لا يستسيغه أحد سواه. كما أفضت للصحافة بسوء معاملته لها عند علمه بحملها والذي تسبب في اعتذارها عن فيلم Vertigo. كما ذكرت أن هيتشكوك كان يتدخل في حياة بطلاته بأسلوب جنوني، فيملي عليهن كيف يلبسن وكيف يسرحن شعورهن كما يتدخل في أدق تفاصيل حياتهن الشخصية.

وربما لم تعان ممثلة من تسلط وسادية ألفريد هيتشكوك مثلما حدث لتيبي هيدرين بطلة The Birds ، فأشارت في حوار لها مع الناقد والكاتب دونالد سبوتو إلى أن أن هيتشكوك سادي مريض، ومعقد جنسياً، يستمتع بتعذيب النساء الجميلات على الشاشة وفي الواقع.



وليس هناك أكثر دلالة على ماقالته هيدرين من ذلك المشهد الذي أرعب كل من شاهد فيلم The Birds حيث دخلت البطلة ميلاني غرفة بمنزل حبيبها، لتجدها موطنا لآلاف الطيور المتوحشة، والتي تندفع نحوها مهاجمة في شراسة. كما يبدو هذا المشهد مثيراً للقشعريرة في الحقيقة، كان تجسيده في الواقع أكثر إيلاماً، فقد تعرضت هيدرين في هذا المشهد إلى النقر والضرب من طيور حقيقية مهتاجة قيدت إليها بسلاسل على مدار خمسة أيام، ولم يلتفت أحد لصرخاتها واستنجادها، بل على العكس، ظل هيتشكوك واقفاً يستمتع بالمشهد الحي أمامه. بعد انتهاء المشهد وتأذي هيدرين نفسياً وبدنياً، تم نقلها للمستشفى في حالة سيئة للغاية وأوقف التصوير لمدة أسبوع حتى تتعافى مما حدث.


ووفقا لروايات أخرى، أكد فيها النقاد أن مشهد الدش المثير في فيلم Psycho ما هو إلا انتقام هيتشكوك من جريس كيللي في صورة جانيت لي، والتي تلقت أكبر عدد من الطعنات وأصبحت صرخاتها من أشهر مشاهد الرعب في تاريخ السينما، وهو المشهد الذي حول “الدش” إلى مكان شديد الرعب بالنسبة لفتيات ذلك الزمان، حتى أن معظمهن كن يتخوفن من الاستحمام في أوقات متأخرة.

هل كان هيتشكوك يعاني من مركب نقص ؟ إن الإجابة عن السؤال يجب ألا تغفل ما ذكرته بعض النجمات من بطلات أفلامه في مقابلات تمت معهن. فقد نفت جانيت لي أن يكون هيتشكوك قد أساء معاملتها على الإطلاق، كما وصفته إنجريد بيرجمان ب”العبقري المحبوب”. وممالا شك فيه أن هيتشكوك كان مسيطرا ومتمكنا من أدواته، يعامل ممثليه باستعلاء، ويعشق إثارة الجدل عن طريق الإيحاءات الجنسية والعبث بعقل المشاهد، لكن إلى أي مدى كان توظيفه للمرأة في أفلامه موفقاً؟

وكذلك كان رأي الفنانة البريطانية الأسطورية هيلين ميرين -وهي التي أدت دور زوجته ألما ريفيل في فيلم هيتشكوك من إخراج ساشا جيرفاسي عام 2012 فهي تعتبر أن هيتشكوك لم يكن مخرجاً متحرشاً وإلا لافتضح أمره في الوسط الفني. وهو في رأيها رجل عبقري، لطيف، ذكي، يمتلك روح دعابة عالية و”طنا” من العقد النفسية”.

وفي كتاب “ألفريد هيشتكوك ونافذته الخلفية” يصف مؤلفه جون بيلتون أيقونة هيتشكوك السينمائية Rear Window بأنها احتفالية بالأنوثة، وأنها تتضمن تأويلات كثيرة عن النظرة الذكورية للمرأة، والتلصص عليها، والانجذاب لها ومدى انعكاس ذلك على الرجل، خاصة إن كان التلصص لا يتعدى هذه الخطوة.

ودائما في أفلام هيتشكوك، كان هناك تلاق بين الجنس والموت والإثارة. ولم تكن المرأة عنصرا خاملاً، لكنها أيضاً ليست محركة دمى. ربما يمكن اتهام هيتشكوك بالذكورية والتعسف ضد المرأة، لكن اتهامه بالسادية وتأويل رؤاه الإخراجية على خلفية الواقع فيها بعض من الإجحاف ومحاكمة فات أوانها كثيراً. لكن ما لا شك فيه، أن هيتشكوك سيظل أيقونة مشككة لأفكارنا، متلاعبة بأعصابنا وخواطرنا، سواء كنا رجالا أو نساء.

----------- 
المصادر:
كتاب أسير الجمال: ألفريد هيتشكوك وبطلات أفلامه لدونالد سبوتو
جريدة الاندبندنت
جريدة الديلي ميل
موقع ScreenOnline السينمائي البريطاني.

أمي فيلم كزافييه دولان المزعج الذي يحتفي بالأم وبروح الشباب



ليس جديداً على كزافييه دولان –وما أرهق كتابة اسمه- أن يجعل الأم محوراً لأفلامه. تتملكه روح الشباب وجموحهم وكثرهم للتابوهات، وتتجلى براعته في كتابته عن الطبقة العاملة والعلاقات الأسرية المتشابكة والاضطراب النفسي، مثيراً الصدق ومتناولاً مواضيع بسيطة بدرجة عالية من العمق تنبع من صغر سنه وافتقاره للنضج الكافيين في الإخراج.


في “أمي” Mommy يقدم لنا دولان ثلاث شخصيات محورية، ديان، الأم التي تثير الاستنكار في جميع الأماكن، فهي لا تطابق هيئة ولا طريقة الأم المثالية من قريب أو بعيد بأي حال. ملابس مثيرة لا تناسب سنها، ولكنة فرنسية ثقيلة وألفاظ صادمة، وحتى طريقة تعاملها مع ابنها لا تلائم الفكرة الكلاسيكية عن الأم المضحية والمتفانية. الابن، ستيف، هو مفاجأة هذا الفيلم. يقوم الممثل الكندي (كيبيكي الموطن مثل دولان) أنطوان أوليفييه بيلون بدور الابن المراهق ستيف والذي يعاني من ADHD أو اضطراب الحركة المفرطة وقصور الانتباه، وهذا المرض بأعراضه الكثيرة المزعجة للمريض وأهله هو السبب في حالة ستيف الغريبة وحبه الأوديبي الممزوج بالعنف لأمه.

في جميع المشاهد التي تجمع بين ستيف وأمه ديان، يمتزج الحب بالعنف بالألم الناتج عن تربية ابن مصاب بمثل هذا الاضطراب النفسي الخطير. الممثلة آن دورفال وأوليفييه بيلون برعا في تقديم تلك المشاهد المزعجة والتي تلقي بالمشاهد في قلب المعركة، بما في ذلك عنف ستيف ورعب أمه وغضبها، فيشعر المشاهد بعد انتهاء المشهد وكأنما خرج للتو من حادثة سيارة. الشخصية المحورية الثالثة هي كايلا، جارة ديان وستيف المدرسة التي تثأثأ، والتي تجد نفسها متورطة في عالم ديان وستيف المعقد والمتشابك، بالضبط كما يتورط المشاهد في تلك الحكاية المعقدة العصية على المشاهدة أحياناً.


أداء سوزان كليمنت لشخصية كايلا قد لا يرتقي لمستوى دورفال أو بيلون، ولكنه أداء سلس لشخصية ربما تكمن صعوبتها في تشتت انتماءها لعالم ديان وستيف والذي يمثل، بالكادر الضيق الذي اختاره المخرج للتصوير، عالم كلي مهيمن على الفيلم كله. في مشاهد ستيف وكايلا، تتقاذف كرات البينج بونج أيضاً ولكن ربما ليس بنفس القوة التي تتراشق الأم والابن بها. المستفيد من هذا كله هو المشاهد والذي لن يبعده غموض والتباس الحدوتة الأوديبية المزعجة عن رغبته في استكمالها. كما أن جرأة دولان في تناول علاقة الابن بأمه، وفي عرض الرغبات والعلاقات الجنسية بكل عمقها و”كركبتها” هي المحرك الأساسي للمشاهد في استمتاعه بفيلم “أمي”. أفلام دولان عادة ما تلعب على وتر الصراحة الصادمة، بالضبط كما هي شخصية ديان في “أمي”، وهذا ما سيجعل دولان من أهم المخرجين المقبلين، نظراً لانتظار المشاهدين ما يقدمه في شغف. تأتي براعة دولان في توجيه ممثليه مع تباين خبراتهم وقدراتهم التمثيلية، من كونه هو أيضاً كان ممثلاً، لذا فهو قادر جداً على فهم احتياجات الممثل، وهو مع كونه مخرج متمكن إلا أنه يفكر أحياناً بعقلية ممثليه ويوجههم طبقاً لذلك بسلاسة ودون مغالاة.

في مشهد يمثل غاية السلام النفسي لستيف، حيث يركب لوح التزلج الخاص به، وينطلق في الشارع الواسع بينما نغمات الهيب هوب تهدر من سماعات أذنيه، يبدو دولان وكأنما هو نسخة مروضة من ستيف، وبتحليقه في عالم الإخراج مسدداً هدف سينمائي وراء الآخر، نجد أنفسنا رغم أنفنا متورطين معه ومع شخصيته المهزومة والمحطمة والتي تتأرجح ما بين الرغبة والانكسار وقسوة العيش، مقدمة لنا دراما دسمة وملتبسة، تثير أذهاننا وتفتح أعيننا للحياة.

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More